أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
198
العقد الفريد
وقال عبد الملك بن مروان : ما كنت أحب أنّ أحدا ولدني من العرب إلا عروة بن الورد لقوله : أتهزأ مني سمنت وأن ترى * بجسمي مسّ الجوع والجوع جاهد لأني امرؤ عافى إنائي شركة * وأنت امرؤ عافى إنائك واحد أقسّم جسمي في جسوم كثيرة * وأحسو قراح الماء والماء بارد « 1 » ومن أحسن ما قيل في الجود مع الإقلال قول صريع : فلو لم يكن في كفّه غير روحه * لجاد بها فليتّق اللّه سائله ومن أفرط ما قيل في الجود قول بكر بن النطّاح : أقول لمرتاد النّدى عند مالك * تمسّك بجدوى مالك وصلاته « 2 » فتى جعل الدّنيا وقاء لعرضه * فأسدى بها المعروف قبل عداته « 3 » فلو خذلت أمواله جود كفّه * لقاسم من يرجوه شطر حياته وإن لم يجز في العمر قسم لمالك * وجاز له أعطاه من حسناته وجاد بها من غير كفر بربّه * وأشركه في صومه وصلاته وقال آخر في هذا المعنى وأحسن : ملأت يدي من الدنيا مرارا * وما طمع العواذل في اقتصادي ولا وجبت عليّ زكاة مال * وهل تجب الزّكاة على الجواد العطية قبل السؤال قال سعيد بن العاص : قبح اللّه المعروف إن لم يكن ابتداء من غير مسألة ، فالمعروف عوض من مسألة الرجل إذا بذل وجهه ، فقلبه خائف ، وفرائصه ترعد ، وجبينه يرشح ؛ لا يدري أيرجع بنجح الطلب ، أم بسوء المنقلب ، قد انتقع « 4 » لونه ،
--> ( 1 ) قراح الماء : الخالص الصافي . ( 2 ) الجدوى : العطاء والكرم . ( 3 ) أسدى المعروف : قدّمه . ( 4 ) انتقع : امتقع وتغيّر .